السيد كمال الحيدري
328
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
فمن أحكام المادّة مثلًا أنّ هذا الجدار يمنعك أن ترى ما خلفه ، ولكن في عالم التجرّد لا يمكن أن يكون هناك حاجز أو حركة أو نحو ذلك . وأمّا من جهة الاختلاف بين النظريّتين فهو أنّ النظريّة الأفلاطونيّة ترى أنّ النفس موجودة بما هي مجرّدة قبل البدن ، والنظريّة المشّائية ترى أنّ النفس موجودة مجرّدة ولكن مع البدن . واعترض صدر المتألّهين على النظريّتين معاً ، فأشكل في كلٍّ منهما إشكالًا خاصّاً بها ، فالنظريّة الأفلاطونيّة أشكل عليها بإشكالاتها المختصّة بها ، والنظريّة الأرسطيّة أشكل عليها بإشكالاتها المختصّة بها ، وليس هذا مجال بحثنا ، وإنّما لدينا إشكال مشترك واحد عليهما ومفاده بحسب مضمون كلام صدر المتألّهين : أنّنا لا يمكن أن نتعقّل كيف يمكن التزاوج بين أمر مجرّد وأمر مادّي ، فأنتم تفترضون أنّ النفس موجود ، وأنّ هذا البدن موجودٌ آخر ، ولابدّ أن يقع بينهما التصاق أو اقتران وما شاكل ذلك ، فنحن لا نتعقّل هذا الأمر ولا أنتم تستطيعون أن تُقيموا أيّ دليل على كيفيّة اقتران الموجود المادّي مع موجود مجرّد بالنحو الذي إذا أراد معه هذا الموجود المجرّد أن يتحرّك فلابدّ أن ينقله الموجود المادّي ، فعلى سبيل المثال أنا جالس في هذا المكان المعيّن من الغرفة وإذا أردت الخروج فالنفس هي التي تريد ذلك لا البدن ، ولكن النفس لا تستطيع أن تكون خارج الغرفة بلا أن ينقلها البدن ، مع أنّ النفس مجرّدة وعندما تكون مجرّدة يفترض أنّها تستطيع الانتقال . وعلى هذا فما هي العلاقة التي ربطت النفس بهذا البدن بالنحو الذي صارت أسيرةً له ؟ ومن هنا أنكر صدر المتألّهين كلتا النظريّتين . فأنكر أنّ